بقلم حسام الدين السنوسي

سلسلة إشراقة آية 1

وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ

هو فينا كما كانَ فيهم، والعلم بذلك واجب علينا كما وجبَ عليهم، كما أنّ فيكم أدقّ وأخص من معكم، فالمعيّة تقتضي انفصالَ الذّوات وتمايزها غير أنها مع بعضها البعض، لكنَّ فيكُم توحي بالاختلاط والتشابك، فهو فينا أي بين ظهرانينا وجزء لا يتجزّأ منا كمجموعة، وأنّ في كل واحد منا كأفراد جزءً وتجلّيا من تجليات رسول الله مختلطاً به، لا يستطيع الواحد منا وحده استيعاب هديِه وإرثِه والإحاطةَ بنورِه كلّه فضلاً عن تثويره وتفجيره
فيكون اجتماعنا معا مُراكما للمعنى المحمّدي، حتى إذا تلاحمَت المعاني علت مشهدَنا العبثيَ فأكسبته القيمة والمغزى، وإذا تكتّلت التجلياتُ جلت وانعكست على مُحيّا أمتنا العابس فأطلقت الألسنة بالصواب وأحيت الضمائر وأنفذت البصائر نحو الغاية، وإذا التقت الجزئيات وانتظمت تشكّلت الصورة الكبرى المتناسقة المستحقة للبِعثة والانبعاث.
يقابل هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه بعدما وقع بينه وبين أحد الصحابة من حديث مكروه، ‘أنت امرئ فيك جاهلية’، فهي فينا أيضا لا معنا فحسب، فليست مجرد فترة زمنية نتخطاها ولا حقبة ومرحلة تاريخية مضت وانتهت بالبعثةِ المحمّدية، بل ما زادتها البعثة إلا سفوراً وانكشافا، فبنقيضها تعرف الأشياء.
فأراد رسول الله بذلك أن يعلّم الصحابة ويعلّمنا عبر أبي ذر أنّ الهجرة من جاهلية قريش لم تنته بالوصول إلى المدينة بل ستبقى إلى يوم القيامة هجرة إلى كل مدنية وقيمة ونفورا من كل ظلم وجهل وتخلّف، وأنّ الجاهلية منظومةُ أقوال وأفعال وأفكار ومفاهيم مختلطة بنا أيضا، سترافقنا أبدا كما يرافقنا الأثر المحمدي، كلاهما فينا يتنازعاننا كالرجل من بني إسرائيل الذي انطلق من مدينة الفساد مهاجراً إلى مدينة الصلاح ثمّ أدركه الموت في منتصف الطريق فتنازعته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب قبل أن تظفر به ملائكة الرحمة، فالناس كذلك أبد الدهر قومٌ ذاهبون إلى دار الهجرة وقوم منتكسون إلى وراء، تتنازعهم جميعا كتلتان من الأفكار والمفاهيم والقناعات، فلأيّما واحدة منهما استسلم الرجل وأعطى قياده انتسبَ وانتمى، فإما جاهليٌ وإما محمدي.
فنحن عندما نجترح المعصية نأتيها بما فينا من نزعة جاهلية، وعندما نندفع نحو الفضيلة تحدونا إليها نفحة محمدية، فالحاذق من اعتنى بآثار محمد صلى الله عليه وسلّم فيه فزكاها وقد أفلح من زكاها، ونمّاها ورعاها وبات حارسا لها يتبعُ الحسنة الحسنة ويحمي الطاعة بأخرى تعقبُها فتثبتها وتجذّرها فيه فيرسخ ذلك الأثر أكثر، كلما أخذ منه شبراً ليستوطن فيه نُورٌ محمدي جديد انتزعَ منه نكتةً سوداء أخرى وموطئ قدمٍ من أبي جهلٍ وأبي لهب.
يقول إقبال : ” إنه لا يتمُ الاتصالُ بمحمّد إلا بانقطاعكم عن أبي لهب”. هذا الفهم يجعلنا مدركين لموقعنا من حلبة الصراع، وأننّا مهما تغيرت الأزمنة والأوجه والظروف إنما نعيش ذات الإمتحان الذي عاشه من كان قبلنا، فقريشٌ حاضرة بقبائلها وعصبيتها، بطغيانها وتوحشها، برِباها ورقّها ورفضها للحق، ودار الأرقم منتصبة كالشمعة في وسط الظلام فيها بقيةُ الخير تستقطبُ فتيان الدعوة، ومحمد صلى الله عيه ويسلم يعلو تلك التلة يجهر بدعوته وأنت مارٌّ بالسوق ترى الناس متحلقين حوله، هذا يرميه بالقذارة والحجارة وذاك يحميه بنفسه وماله.
كأننّا في دار الندوة ننظر إلى المتآمرين يكيدون للدين وأهله، إلى آل ياسر المستضعفين يتعرضون للقمع والتعذيب في أقطار كثيرة من الأرض لا يسعك أمام مأساتهم إلا أن تقول صبرا آل ياسر، إلى أبي جهل يحزّب الأحزاب ويحرّض الأعيان على تعذيب وتثبيط من دونهم من الصابئين الكافرين بالسائد والعادات الخاطئة والحياة العبثية الخالية من الروح والرسالية المكبّلةِ بِ “وجدنا آباءنا”.
أن تستشعر تكرار المشهد وتدرك تفاصيلَه، وأنّه لابدّ من دعوة سرية وجهرية وهجرة ومجهادة وبناء دولة، وأنّ وظائف شتى تنتظر تنصيبا واستخداما، من خديجة تصدٌّق وصدّيق يؤازر وعمر يُعز وبلالٍ يؤذّن وعليٍّ يكتب وحسّانٍ يُلقي وحاطبٍ يُبلّغ وجعفَرٍ يُضحي وأسامة يستلم المشعَل وحسَنٍ يزكّي وميسون تحرّض وعِزٍّ يربي وقطزٍ يجاهِد.
أن يصبح الداعية في محيطِك كأنّه صحابي يجاهر بإيمانه عند الكعبة فيقع عليه المكذّبون بالنَعال فإمّا أن تنصره وإمّا أن تخذله، أن تحتسبَ تكثير عدد المصلحين كأنك تكثّر سوادَ المؤمنين يوم تراصّت صفوفهم للجهر بالدعوة في بطن مكة، وأن ترى في كل جهد أو مشروع يحمل الرسالة طيفاً محمّدياً فتجتهد في مصاحبته ونصرته وموالاته، وأن لا تكونَ حمّالا للحطب رامياً للشوك في طريقه، إمّا بتعطيله وعرقلته، أو بتثبيطه والحطّ من عزيمته، أو بالاستقالة والتفَرُج عليه يعافر بالميدان وحده.
أن يكون فينا رسول الله يعني أن يصيبنا شيء من عام الحزن في سبيل الله، وبعضٌ من أذى الطائف في طريق بذل الأسباب ونشر الرسالة، وسهمٌ من القول المؤذي والسخرية والتكذيب والتسفيه، ثم لا يزيدنا ذلك إلا ثباتا وإصراراً على البلاغ، شعارنا في ذلك كلّه: “إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي”.
ما يؤدي بنا إلى تحسّس منهج محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا يخلو منه زمن، ثم التمسّك به في شتى ميادين الحياة، وملازمته للظفر بشرف الصحبة، فكما أنّ في كل عصرٍ انعكاسٌ للنور المحمدي فلا بدّ أيضا من صحابة ومهاجرين وأنصار، فنحن إذا راقبنا ذلك النور واهتدينا به وتتبّعناه قمنا مقام الصحابة وزاحمناهم، قالَ التابعي الجليل أبو مسلمٍ الخولاني “أيحسب صحابة رسول الله أن يستأثروا به دوننا ؟، والله لنزاحمنهم”.
وإلا كنا من المخلّفين في الأرض الذين رضوا بأن يكونوا مع القواعِد، وتنازلوا عن واجباتهم إزاء قضايا الأمة الكبرى، فتخلفوا عن ميادينها واكتفوا بمقعد المتفرج في حين كانت الأمة في أمسِّ الحاجة لمن ينبري للمرابطة في تلالها وثغورها للذود عن هويتها ولغتها ومقدّراتها.
فالرسالة اليوم تطرقُ الأبواب كل يوم تسأل صاحباً للهجرة والغار، وراحلة تتحمّل وعثاء السفر وضريبة الطريق، فكم من ردّة وانتكاسةٍ في الدين والأخلاق والمجتمع تنتظر أبا بكر ينفر لوأدها، وكم من شبهةٍ وتشكيكٍ ممنهج تنتظرُ كُعُمَ الجوابِ إذا بُدِهوا لسانُ حالِهم “إن قالها فقد صدق”، وكم من وظيفةٍ سامية تُعرَضُ كلَّ ليلةٍ للتنافس، تنادي “اللهمَّ أعزَ الإسلامَ بأحد العمرين”، فيظفر بها قوم ذووا هممٍ عليّة، ويُحرَمُها آخرون تردّدوا، يقال لهم : “سبقكم بِها عكاشَة” والناسُ كالإبل المائة “لا تكاد تجد فيها راحلَة” ..
ونحن يا رفيقي امتدادٌ للرسل الذين ابتعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للممالك والأمصار، منهم من كان سفره قاصداً ووجهته قريبة، وآخرون قطعوا الفيافي والبحار قبل أن يبلُغوا غاياتهم، وفريق ثالث يشمل حَمَلة الرسالة في كل عصر، مَضوا دون تبليغها قرونا وحُقُبا، منهم في كل عصرٍ طائفةٌ عاملة، فيها رسول الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق