تجربتي مع مخيمات حفظ القرآن في الجزائر

للمدون صلاح الدين حفافصة

كان الدافع والمحفّز بالنسبة لي لكتابة هذا المقال هي تدوينة نُشرت هنا يسرد فيها المدوّن تجربته لمدة عشرة أيام مع القرآن الكريم بألمانيا، وتحدّث عن الأجواء الايمانية الأخّاذة التي تأسر قلوب المؤمنين في كل مكان خاصة في زمن الغُربة هذا الذي نحن فيه، فقُلت في نفسي لماذا لا أفعل نفس الشيء وأكتب عن تجربتي مع مخيمات القرآن الكريم هنا في الجزائر، وتلك الأوقات الجميلة التي قضيتها بها، وعن واقع هذه المخيمات والآمال المعقودة عليها، فالوضع عندنا مختلف عن ذاك في ألمانيا، فهذه المخيمات بالعشرات والمشاركون بالمئات بل بالآلاف والأعداد تتضاعف مع كل سنة.

هذه المخيمات التي اقتبست فكرتها بالأساس من مثيلاتها في قطاع غزة، حيث كان الغزّيون يقيمون مخيمات على الشواطئ لحفظ القرآن الكريم بشكل مكثف، أي حفظ أكبر عدد من الأحزاب في أقل فترة زمنية ممكنة لا تكون أقل من أسبوع ولا أكثر من أسبوعين، فانتقلت هذه الفكرة إلى الجزائر سنة 2013 بإقامة مخيم أو مخيمين فقط، مع مرور السنوات وإلى غاية هذه السنة أصبحت هذه المخيمات تقام في جميع الولايات تقريبا مع بدء كل عطلة رسمية، حتى يتفرغ المشاركون والاداريون والمشايخ لهذا العمل التطوعي في الحقيقة، ولا بد أن أقول أنّ الدولة لا تموّل هذا المشروع على حدّ علمي، ولكن يتم التمويل من خلال الجمعيات والمُحسنين، الذين لا يُمسكون شيئا غاليا عن القرآن وأهله، بل يجودون بما يملكون لأجل استمرار هذا المشروع المبارك.

لا أخفيكم القول أنني عشت أجمل أيام حياتي في هذه المخيّمات، لقد كنّا مثل الجسد الواحد، نبدأ في حفظ القرآن بعد أن نكون قد أدّينا صلاة الصبح وقرأنا الأذكار والأوراد، فنبقى مع الحفظ إلى حين صلاة الظهر، فهذا يردد والآخر يعرض ما حفظ على شيخه، ثم نأخذ حصّة الأحكام، ونعود إلى الحفظ مرة أخرى بعد أخذ قليل من الراحة، ما أن تأتي صلاة العشاء، حتى يكون بعضنا قد جاوز الثلاثة أحزاب أو أكثر حفظا عن ظهر الغيب، ثم نطوف إلى السّمر، لنرفّه عن أنفسنا من تعب اليوم الطويل، فترى حينها ضحكات بريئة خالية من الحقد والكراهية والنفاق، وجوه أشعّت بنور القرآن وسكن مُهجتها كلام ربّها سبحانه فأضحت به سعيدة تنشر الأمل والخير أينما حلّت.

كنا نمضي الأيام تلو الأيام على هذه الحال، حتى يأتي يوم الرحيل والارتحال، فيعلو صوت البكاء ونتبادل الأحضان، في جوّ مهيب محزن، نحزن فيه على فراق الأحبة والخلّان، الذين انقطعنا معهم عن العالم المليء في الخارج بكافة المنكرات والفواحش التي عمّت وطمّت، وجمعنا القرآن، لا المادة أو المصلحة والمال. وهنا أشير إلى نقطة مهمّة ومحورية، وهي ضرورة عدم تسييس هذه المخيّمات وابقائها خالصة لوجه الله، فلا ينبغي لها الانتماء لحزب أو جماعة، أو أن تجعل شروطا معيّنة لمن يريد الالتحاق بها، بل تبقى تسَع الجميع بمختلف توجّهاتهم ومذاهبهم ومشاربهم، فإلاّ يفعلوا هذا -أقصد المسؤولين على المشروع- فسوف يَخرّ البناء ولو بعد حين، ويضيع ما خُطط له لسنين، وهذا ما لا نرجوه والعياذ بالله.

فهذا هذا الوقت الذي أضحت فيه المُغنّيات السّافرات والفنانين المزيّفين هم القدوة عند الشباب الذي أصيحوا حيارى أينما وجّهوا انتكسوا وارتدوا على أعقابهم، هؤلاء ينتظرون من يمدّ لهم حبل النجاة لإخراجهم ممّا هم فيه، أي حبل أوثق من حبل الله المتين الذي أمرنا بالاعتصام به، وهو القرآن الكريم، “لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ“. وأدعو كافة من يقرأ هذه الكلمات من معظم البلدان العربية أن يطبّقوا فكرة هذا المشروع في أوطانهم، ففي هذا نهضةُ الأمة، واستعادةٌ للشباب إلى حضن الإسلام، وإبعادهم عن أمواج العلمانية التي لم تدع ميدانا إلا وصالت عليه، ووصل الأمر اليوم إلى المساس بثوابتنا، التي كانت بالأمس خطا أحمرا يخشى الجميع الاقتراب منه.. والله المستعان.

 

المصدر :  مدونات الجزيرة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق